السيد علي عاشور

104

موسوعة أهل البيت ( ع )

إلى الخامس ، وفي الإشارة الأولى من النمط التّاسع من الإرشادات والتنبيهات ، وغيرهم من الحكماء الشامخين في مؤلفاتهم الحكمية ، ونأتي بما في الإشارات وشرحه للعلّامة الطوسي فإنهما وافيان في المقصود مع جزالة اللّفظ ورزانة النظم قال الشّيخ : لمّا لم يكن الإنسان بحيث يستقلّ وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه ، وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما ، يفرغ كلّ واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير ، وكان ممّا يتعسر إن أمكن ، وجب أن يكون بين النّاس معاملة وعدل ، يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة ، لاختصاصه بآيات تدلّ على أنّها من عند ربّه ، ووجب أن يكون للمحسن والمسي جزاء من عند القدير الخبير فوجب معرفة المجازي والشارع ، ومع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكورة للمعبود ، وكرّرت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتّى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع ، ثمّ لمستعمليها بعد النفع العظيم في الدّنيا الأجر الجزيل في الأخر ، ثمّ زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة التي خصّوا بها فيما هم مولّون وجوههم شطره ، فانظر إلى الحكمة ثمّ إلى الرّحمة والنعمة تلحظ جنابا تبهرك عجائبه ثمّ أقم واستقم . وقال المحقق الطوسي في شرحه : أثبت النبوّة والشريعة وما يتعلّق بهما على طريقة الحكماء وذلك مبني على قواعد . وتقريرها أن نقول : الإنسان لا يستقل وحده بأمور معاشه ، لأنّه يحتاج إلى غذاء ومسكن وسلاح لنفسه ولمن يعوله من أولاده الصغار وغيرهم ، وكلّها صناعيّة لا يمكن أن يرتّبها صانع واحد ، إلا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدة فاقدا إياها ، أو يتعسر إن أمكن ، لكنّها تتيسّر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها ، يفزع كل واحد منهم لصاحبه عن ذلك فيتم بمعارضة وهي أن يعمل كلّ واحد مثل ما يعمله الآخر ، ومعاوضة وهي أن يعطي كلّ واحد صاحبه من عمله بإزاء ما يأخذه منه من عمله ، فإذن الإنسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى الاجتماع مؤد إلى صلاح حاله ، وهو المراد من قولهم الإنسان مدني بالطبع ، والتمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع فهذه قاعدة . ثمّ نقول : واجتماع النّاس على التعاون لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة وعدل ، لأنّ كلّ واحد يشتهي ما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه في ذلك ، وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره ، فيقع من ذلك الهرج ويختلّ أمر الاجتماع ، أما إذا كان معاملة وعدل متفق عليهما لم يكن كذلك ، فإذن لا بد منهما ، والمعاملة والعدل لا يتناولان الجزئيات الغير المحصورة إلا إذا كانت لها قوانين كلّية وهي الشرع ، فإذن لا بدّ من شريعة ، والشريعة في اللّغة مورد الشاربة ، وإنّما سمّي المعنى المذكور بها لاستواء الجماعة في الانتفاع منه وهذه قاعدة ثانية . ثمّ نقول : والشرع لا بدّ له من واضع يقنّن تلك القوانين ويقرّرها على الوجه الذي ينبغي وهو الشّارع ، ثمّ إنّ النّاس لو تنازعوا في وضع الشرع لوقع الهرج المحذور منه ، فإذن يجب أن يمتاز